الصالحي الشامي

356

سبل الهدى والرشاد

عليه أن يكون مثل الشرع ، ظاهره وباطنه سواء ، لا نفاق فيه بوجه أصلا ، فقال : " أشهد ألا إله إلا الله " . " فلما استقر في الأذهان سر هذا الإعلان ، أتبعه ما اقتضى الحال من الشهادة للآتي بهذا الدين من صدق المقال ، في دعوى الإرسال ، فقال : " أشهد أن محمد رسول الله " ، ثم أكده كما مضى فقال : " أشهد أن محمدا رسول الله " . ولما ثبت ذلك ، وانجلت دياجير تلك الأمور الحوالك ، فتيسر السلوك لكل سالك ، في أشرف المسالك ، قال ذاكرا لما آثرته الرسالة من الخلاص من أشراك الضلالة ، والرد على طرقها الميالة ، وأوديتها المغتالة : " حي على " - أي هلموا أقبلوا جهارا غير خائفين من أحد - إلى " الصلاة " ، بادئا بما هو نهاية الدين ، الجامع لشمله ، المميز لأهله . " ولما كان الناظر لذلك الحال ، يستدعي عجبا من الوصول إلى هذا المآل ، قال مؤكدا : " حي على الصلاة " . فلما تقرر ذلك كان كأنه قيل : هل من عمل غيرها ؟ فقال : " حي على الفلاح " ، فكان ذلك ، مع أنه دعاء إلى كل عمل يوجب الفوز والظفر بكل مراد مؤكدا للدعاء إلى الصلاة على أبلغ وجه . " ولا شك أنه أحسن مما ورد في بعض الآثار الموقوفة في الموطأ ، رواية محمد بن الحسن ، وجاء مع عبد الرزاق عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وصرح الحفاظ بأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : " حي على خير العمل " ، لأنه مع كونه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد صار شعار الروافض لا يشمل جميع الأعمال الصالحة ، وكان الوارد في الصحيح أبلغ من وجهين : من جهة أنه شامل لكل خير ، ومن جهة التعبير عن ذلك باللازم الذي هو الغاية المترتبة على العمل تحبيبا فيه ، وتشويقا إليه ، مع أنه كان يقوله بعد : حي على الفلاح " . " ولما كان تطاول الصولة بالإذلال والقهر ، موجبا لاستبعاد الإقبال على كل عمل من أعمال الشرع على سبيل القهر ، أكد هذا الكلام الداعي إلى كل خير لهذا وللإشارة إلى أنه لحسنه جدير " بالتأكيد ، وأهل لأن يعرف بمقدار لجلالة آثاره ، فقال : " حي على الفلاح " ، وفيه إشارة إلى أن الأمر خطير ، والطريق صعب ، فلا بد من التأهب له بأعظم الزاد ، لتحصل الراحة في المآل والمعاد . " ولما كان المدعو قد يكون نائما ، وكان النوم قد يكون خيرا ، إما بأن يكون القصد به راحة البدن للتقوي على الطاعة ، أو أن يكون للتخلي عن المعصية ، وكان أكثر ما يكون ذلك في آخر الليل ، كان التثويب خاصا بأذن الصبح ، فقال فيه : " الصلاة " - التي هي أعظم الفلاح ، ومن أعظم مقاصد هذا الأذان الإعلام بوقتها والدعاء إليها - " خير من النوم " . ولما كان من يغلبه